القاضي النعمان المغربي

480

المجالس والمسايرات

عمّالا ، وأظهروا فيها دعوتنا ، وحازوا لأنفسهم / معقلا حصينا بقلعة شاهقة « 1 » منيعة قطنوا بها واتّخذوها دار هجرة « 2 » . والداعي اللعين المبدّل ، فهم يعتقدون طاعته لولايتنا ويعظّمون أمره إذ كان يدعو إلينا . فما هو إلّا أن انتهى الرسل الذين حملناهم في أمره إلى أدنى عمل الجزيرة ، ولم يبق بينهم وبين الموضع إلّا مسيرة شهر حتّى أذن اللّه ( تعالى ) في الفاسق بما أردناه بلا عنت ولا تكلّف ، فطرقته بغلته ، / و / أعجله الموت فيها عن أن يوصي لأحد بمقامه ، ولا أن يقدّم أحدا لمكانه فيكون قد سدّ موضعه وقام مقامه . وكفى اللّه مئونته ، وبلّغنا في عفاف ما أردناه منه بفضله ونعمته ، وما عوّدناه / من جميل عادته . ولمّا هلك عدوّ اللّه اجتمع الدّعاة فيمن يقيمونه مقامه إلى وقت مطالعتنا ، فوقع اختيارهم واتّفاقهم على الرّجل الذي اخترناه وأقمناه وكتبنا إليه ، لما أراد اللّه ( تعالى ) من تأليف أمرهم واجتماع كلمتهم وظهور أمرهم على عدوّهم ، ليقيموه عليهم ويرسلوا رسلا من قبلهم لمطالعتنا بأمرهم . فأكبر ذلك الرجل من أمرهم ، وقال لهم : إذ قد اتّفق رأيكم عليّ فاسمعوا منّي . قالوا : نعم ، نسمع ونطيع لك . فاختار أربعة منهم ، وقال لهم : تكونون على الجميع ، ويكون كلّ داع إلى أهل دعوته ، وأكون أنا النافذ برسالة الجماعة إلى / الحضرة . فما أمر به وليّ اللّه امتثلناه ، ومن أقامه لنا سمعنا منه وأطعناه . واختار رجالا للقدوم معه علينا وقدم . فلم يسر إلّا بعض أيّام حتّى لقيته رسلنا ، ففرح واستبشر بلقائهم ، وسألهم عن الحال ، فدفعوا إليه كتابنا إليه ، وكتابنا إلى جماعة الدّعاة بما أمرناه به في الخائن . فانصرف إلى مكانه ، وبعث بالقوم

--> ( 1 ) شاهقة : ناقصة من أ . ( 2 ) دار الهجرة هو الموضع الذي اتخذه أصحاب الدعوة وطنا جديدا يستترون به ويجتمعون فيه ، ثم ينطلقون منه لنشر دعوتهم . ويقول النويري في نهاية الأرب عن ظهور القرامطة : « ثم أن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها ويجتمعون بها ، فاختاروا من سواد الكوفة . . . قرية . . . فحازوا إليها صخرا عظيما ، وبنوا حولها سورا منيعا ، عرضه ثمانية أذرع ، ومن ورائه خندق عظيم ، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت ، وبنوا فيها البناء العظيم . وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان ، وسميت دار هجرة » ( عن حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الدولة الفاطمية ، ط 3 ، 1964 ص 386 ) . وقد استمدوا هذه التسمية من هجرة الرسول ( ص ) إلى المدينة فكانت المدينة دار هجرة الرسول ومركز دعوته . وفي القرآن آيات ترددت فيها كلمة هاجر ومشتقاتها ، وكثير منها تبارك الذين يهاجرون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ، وآيات أخر تحت على الهجرة في سبيل اللّه .